جلال الدين السيوطي
108
الإتقان في علوم القرآن
وأجاب الأول عن هذا الحديث بأجوبة : أحدها : أنّ السؤال كان عن نزول سورة كاملة ، فبيّن أن سورة المدثّر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ ، فإنّها أوّل ما نزل منها صدرها . ويؤيّد هذا ما في الصحيحين . أيضا . عن أبي سلمة ، عن جابر : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يحدث عن فترة الوحي ، فقال في حديثه : « بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت رأسي ، فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرجعت فقلت : زمّلوني ، زمّلوني ، فدثّروني ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) . فقوله : « الملك الذي جاءني بحراء » يدلّ على أنّ هذه القصة متأخّرة عن قصة حراء التي نزل فيها : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . ثانيها : أنّ مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي ، لا أولية مطلقة . ثالثها : أنّ المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار ، وعبّر بعضهم عن هذا بقوله : أول ما نزل للنبوة : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] وأول ما نزل للرسالة يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) [ المدثر : 1 ] . رابعها : أنّ المراد أول ما نزل بسبب متقدم ، وهو ما وقع من التدثّر الناشئ عن الرعب ، وأما ( اقرأ ) فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم . ذكره ابن حجر « 1 » . خامسها : أنّ جابرا استخرج ذلك باجتهاده ، وليس هو من روايته ، فيقدم عليه ما روته عائشة . قاله الكرماني . وأحسن هذه الأجوبة الأول والأخير . القول الثالث : سورة الفاتحة ، قال في الكشاف « 2 » : ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنّ أول سورة نزلت ( اقرأ ) ، وأكثر المفسرين إلى أنّ أول سورة نزلت فاتحة الكتاب . قال ابن حجر « 3 » : والّذي ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأوّل . وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلّا عدد أقلّ من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول . وحجته : ما أخرجه البيهقي في الدلائل ، والواحديّ من طريق يونس بن بكير ، عن يونس بن عمرو ، عن أبيه ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة : « إنّي إذا خلوت وحدي سمعت نداء ، فقد
--> ( 1 ) انظر فتح الباري 8 / 678 ، والاحسان 1 / 221 ، وأسباب النزول ص 12 ، والبرهان 1 / 206 . 208 ، ومناهل العرفان 1 / 88 . ( 2 ) الكشاف 4 / 270 . ( 3 ) فتح الباري 8 / 714 .